قبل البدء
منذ عام 1975 وإرهاصات الشعر تغمر روحى.جبران خليل جبران كان طارق الباب الأول.قراءاتي في تلك السنوات المبكرة حددها يوسف يوسف إدريس حين وقع بين يديّ كتابا منزوع الغلاف الخارجي عنوانه "قصة حب"،كانت المراهقة في عنفوانها والأحزان أيضا. أقبلت ألتهم الكتاب، أو بالأحرى من أول سطر وقعت عليه عيناي دخلت مغامرة لم أخرج منها قط، فالرواية"قصة حب" لم تكن كما توقعت، قصة عشق تغري المراهق بالتماهي معها، إنما كانت حبا من النوع الذي سيرافقني إلى الآن.
يوسف إدريس حدد الطريق إذن، رحت أقلده فكتبت رواية طويلة جدا " 200 صفحة كشكول، مكتوبة على وجهي الورق، عن سيرة "عبدالحميد العاق"، وكيف أن هذه الشخصية قوضت أعمدة كانت قائمة بقوة، وحولتها إلى ركام.
لكنني لم أجرؤ أن أعرضها على أحد، ومازلت أحتفظ بهذا الكشكول إلى الآن، وكلما أعدت تقليبه أتذكر كيف أن يوسف إدريس علمني السياسة وليس الرواية، ف"عبد الحميد العاق" هذه لن تبين لي أن الطريق إلى عالم القصة والرواية هو الطريق الأمثل، فقد جاءت رومانسية حزينة على غرار روايات أوائل القرن الماضي التي كنت أقراها في مكتبة المدرسة الإعدادية بقرية "تندة" ثم في مدرسة الثانوية العامة في "ملوي"، لأن جبران كان يملأ روحي بقصيدته البلاد المحجوبة وكتابه النبيّ، كم فعل ذلك إيليا أبو ماضى وميخائيل نعيمة وبقية شعراء المهجر الذين آنست نفسي معهم، قبل أن ألتقي بمحمود حسن إسماعيل والسياب ونازك الملائكة بسنوات حين عرفني بعوالمهم الشاعر فتحي سعيد، مفارقتي المبكرة،وقبل أن أتوقف عند صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي، وأمل دنقل، ومحمد عفيفي مطر الذي سيطول الوقوف معه طويلا في الشعر والحياة.
قبل واقعة رواية إدريس تلك كنت أقرأ كل ما تقع عليه عينيّ، في مختلف المجالات، فالرغبة كانت نهم المعرفة دون إدراك في أي الطرق ينبغي أن أمضي.
حسمها إدريس تماما على المستويين الروحي والعقلي وعلى مستوى النظر إلى العالم والموقف منه..ذلك سيرافقني إلى الآن .
لكن فتحي سعيد دون قصد منه عبّد لي الطريق عندما أهداني عدة دواوين لكوكبة من الشعراء المحدثين، وكان صيف عام 75 هو الحد الفاصل بين عمرين، ففيه ودعت الآن عدم معرفة الشعر الذي هو صعب وطويل سلمه، ورومانسية حزينة، كانت تضربني في الأعماق، ناتجة عن زلزال ضرب العائلة الصغيرة في الصميم مع إصابة أبي"صديقي" بجلطة في الدماغ،خلفت نصفا ميتا وآخر ظل يقاوم عقدين ونصف العقد، في مقاومة لم أرها إلى الآن، وتلك قصة سوف أكتبها حين يحين الوقت والمناسبة…
أقول شكرا لفتحي سعيد، فقد "أعطاني "أنشودة المطر للسياب، و"مدينة بلا قلب" لأحمد عبد المعطي حجازي، و"أحلام الفارس القديم" لصلاح عبد الصبور و"موسيقى من السر" لمحمود حسن إسماعيل و"شظايا ورماد" بمقدمته الرائعة لنازك الملائكة، و"البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" لأمل دنقل، و"أباريق مهشمة" لعبد الوهاب البياتي، و"فصل في الحكاية" ديوانه شخصيا، وأخيرا ديوان لمحمد عفيفي مطر. وقال: ردّ كل هذه الكتب ثانية عدا ديواني، فهو إهداء وديون مطر فلا تعده، ولا تتأثر به، وكأنه ينصحني أن أتوقف !!طويلا عند هذا المطر.
كان كنزا كبيرا، لم أكن قد ألتقيت بعد في الطريق بالأخضر بن يوسف، سعدي يوسف رفيق المرحلة والرحلة كما كتب في إهدائه لي في كتاب مختاراته الشعرية التي صدرت في القاهرةالعام الماضي، فهذا الأخضر سوف يكون ثاني محطة بعد يوسف إدريس يعلمني السير في درب مختلف.. ذلك الدرب سوف أتناوله بدقة يوما ما، ولكنني الآن بصدد إعادة السير فيما بدأت به الطريق وهو الشعر، وقد توقفت طويلا حين حط البابا أوربان في بلادي مرة أخرى عام 91 وغزا مقدساتها استئنافا لمسيرته الذي بدأ عام 1095 بخطبته الشهيرة في مجمع كليرمن في جنوب فرنسا الحالية، حين دعا أتباعه في خطاب شهير إلى غزو بلاد العرب والمسلمين، توقفت حين رأيت كثيرا من المواقف السياسية والشعرية والروائية والصحافية والإعلامية

























